fetch the BadBlog

Sunday, October 24, 2010

أهون الف مرة (عكار بين الرمد والجرب)-ء

فرقة الطريق العراقية من اهم واقدم الفرق الملتزمة في الوطن العربي . غنت للوطن والثورة والحب. تعود معرفتي بهذه الفرقة منذ زمن، فقد اهداني عمي (والد زوجتي الراحل أحمد ميتا من عكار العتيقة) شريطي كاسيت عن حفل الذكرى الخمسين للحزب الشيوعي اللبناني وكانت لفرقة الطريق اغان عديدة في احد الشريطين. ولكن ما سأتناوله اليوم ليس عن فرقة الطريق ولا عن تشرد اعضائها في المنافي والسجون ولا عن الاعدامات التي طالت معظمهم من قبل النظام العراقي الرجعي آن ذاك (الذي استبدله النظام الاميركي لاحقا بواحة من الازدهار والديمقراطية)، بل عن عكار تلك المحافظة مع وقف التنفيذ. فمنذ الذكرى الخمسين للحزب الشيوعي الى اوائل التسعينيات، كانت عكار منعزلة بشكل شبه تام عن شبح الحرب اللبنانية لذلك لما تمّت المصالحة الشاذة بين معظم اطراف النزاع وتقاسمهم الحصص، خرجت عكار من المعادلة لأفتقارها  لزعامة لها وزنها الشعبي والميليشيوي. الكل تابع في عكار، حتى وجهاؤها حافظوا على مكاناتهم عبر المحسوبية على زعامات اكبر منهم شأنأ ( حيث انهم، بمعظمهم لم يكونوا يوما لا زعماء شعبيين ولا سياسين، مجرد اقطاع له تاريخ في التزلم والتبعية). نعم يدفعون ضريبة الدم اكان في الاحزاب او الجيش ولكنهم ليسوا في حسابات من يقسّم الجبنة.
تاريخيا، اعتمدت السلطات المتعاقبة على هذا البلد "العظيم" وخاصة عكار مبدأ التحريض لجر الناس الى حروب وخصومات قومية وطائفية وغير ذلك ففي 8 آب 1914 ارسلت تركيا عدد من علماء الدين والمختصين من الفقهاء في الوعظ والتحريض لأستمالة المسلمين غير الاتراك لتلبية دعوة الجهاد. واعلن الجهاد المقدّس الشيخ عبدالكريم العويضة في احتفال حاشد في حلبا وسحب معظم الشباب للخدمة العسكرية بسبب العوز والفقر وعدم قدرتهم على دفع ضريبة البدل العسكري البالغة قيمتها مجيديتين سنويا عن كل ذكر. ظل الشاب العكاري من الزمن العثماني الى الزمن الاميركي، مجندا قابعا" في مقدمة الجيش باذلا دمه واحيانا دون قناعة تامة بمهمته الجهادية، فالعوز سيد القناعات في هذا الزمن الرديء.

ما قبل شباط 2005 كانت الامور تقريبا واضحة وغير قابلة للشك. مثل القضية المركزية وهوية العدو، وذلك رغم التجاوزات التي مارستها الاجهزة السورية، من حيث قمع الحريات (والمتضرر الاكبر كان الحزب الشيوعي)، وكذلك بحكم الجيرة كانت سوريا نار العكاريين وجنتهم في الوقت عينه، حيث ان ارتباطات القربى، والعلاقات التجارية والسياحية، جعلت من سوريا امتدادا حيويا لقضاء لفظه الوطن على مستويات عدة.  ولكن بعد شباط 2005 صفع السنة صفعة كبيرة باغتيال الرئيس رفيق الحريري. احدث هذا الاغتيال خللا في الذاكرة وابعد الناس عن مشروعهم العربي وانساهم جزئيا صراعهم مع العدو الاسرائيلي والنضال من اجل تحرير فلسطين وحتى ارضهم. ظهر في الساحة السياسية اعداء جدد وايضا بدافع من  عدد من علماء الدين والمختصين من الفقهاء في الوعظ والتحريض.

واضحت "بدنا الحقيقة" الشغل الشاغل و الشعار الجماهيري والهم المطلبي في الشارع اللبناني وخاصة لما يعرف بفريق الرابع عشر من اذار وتحديدا الشارع السني الذي يعتبر نفسه حكما المستهدف الاول بمصالحه ومكانته وزعيمه، الزعيم الذي رعى اسدال الستار على فصول الحرب اللبنانية  الاهلية كما رعى ولادة اتفاق الطائف الذي اعاد تكريس الواقع اللبناني بل وعلاوة على ذلك تكريس نظام الترويكا الذي عزز بدوره مبدأ المحاصصة في السلطة.
اما اقصى الشمال حيث الثقل السني وخزان الجيش في عكار فموضوع اخر، فرغم التهميش والحرمان والاقصاء عن كل ما يسمى بالخدمات والتنمية، كان احساس عارم بنعم الرئيس رفيق الحريري وافضاله على الوطن، وشعور بالخسارة والغضب لاغتياله، وكأننا نعيش في كنف السلطان، نأكل من خبزه ونضرب بسيفه!. ولكن ويا للأسف لم تكن للمنطقة حصة وافرة من خبز السلطان، الذي كان مشروطا في معظم الاحيان.
  اما عن علاقة عكار بالسلطة وولائها الاعمى لها مهما تقلبت تلك الاخيرة بين السياسات الاقليمية والدولية، فتعود لاسباب عدة، ابرزها الاقطاع الذي ولد طبقة من المحظيين الذين كانوا الممثلين الحصريين لابناء المنطقة وكانت علاقتهم مع الزعامات ورجالات السلطة قائمة على التزلم والتملق والولاء، للمحافظة على مكاناتهم السياسية والاجتماعية. وبقيت الطبقات المهمشة والفلاحين قابعين في الجهل والعوز لا حول لهم ولا قوة، الى ان كانت ثورة الفلاحين ومن ثم تسرب الافكار اليسارية  وتنور البعض من "ابناء العامة" ما خلق واقعا جديدا في عكار هو الانخراط في الحياة السياسية بالمعنى الحقيقي، وليس علاقة الحاجب بالسلطان التي امتهنها الاقطاع لعقود طويلة. واتت القضية الفلسطينية وتداعياتها، وصعود احزاب "علمانية" الى سدة الحكم في بلدان مجاورة لتجيش النفس العروبي وخاصة في الشارع السني، الذي كان مرآة للشارع المصري والعراقي والسوري. واسوأ ما حدث لهذا الشارع الطفرة النفطية في الخليج العربي،  القائمة على اسس الشريعة الاسلامية من جهة وارتباطات بالمصالح الاميركية ومشاريعها من جهة اخرى. هذه الطفرة جعلت الرؤيا ضبابية بعض الشيء للقضية الاساس ومفهوم العدو. ولكن بعد 14 شباط 2005 انكسرت البوصلة السياسية في عكار وتغيير مفهوم العدو بشكل كبير، لأن هذا الاغتيال طعن العكاريين في الصميم وابعدهم عن القضية الاساس "القضية الفلسطينية والصراع العربي الاسرائيلي" وظهر في ساحتهم السياسية عدو من نوع اخر واشد واخطر بالنسبة لهم. تحول الصراع الى صراع مذهبي عنصري ضد الشيعة ومن وراءهم. وساعدعلى محو الذاكرة الوطنية في هذا القضاء المحروم، نواب لا يمونون على شيء في اي مساحة من مساحات الوطن الشاسعة، حيث ان  من مصلحتهم محو ذاكرة ماضيهم كالتنقل من حزب الى آخر واقامة الاحتفالات وتقبل التهاني في ذكرى الحركة التصحيحية ورقص الدبكة فرحا بالمناسبة... وتحولوا الى رموز وتسابقوا الى تجييش العكاريين و بث العداء لسوريا. فالعكاري متعود على تقبل كل شيء واي فكرة تطرحها السلطة دون حتى النقاش. قاطعوا سوريا وتعرض بعض العمال السوريين للضرب والاعتداء في عكار. وتنازل العكاريين وتعففوا عن التبضع من حمص لفترة وجيزة طبعا. فالتهريب من الحدود الشمالية امر جد حيوي لأبناء عكار وإن كانوا يريدون الحقيقة فهذا لا يجعلهم يقاطعون الغاز والمازوت المهرب والخدمات الصحية والتسليفات الزراعية السورية التي لم يفتح بيوت فقط بل فتحت قرى باكملها مثل اكروم التي تفاخر بانتخاب لائحة رئيس الحكومة زي ما هيي و غيرها من مناطق كثيرة في وادي خالد.
خذل العكاريون باعادة العلاقات بين تيار الحريري وسوريا. وهم الذين تهافتواعلى الساحات تلبية لابن الشهيد وتجاهروا بعدائهم لسوريا ورشقوا بالحجارة حفل تأبين عضو الكتب السياسي للحزب الشيوعي مهدي خليل وتفاخروا بارشفة مجزرة حلبا (هذا اللغز الذي لم يستطع احد فك طلاسمه حتى الان، لماذا هاج الشارع العكاري بهذا الشكل على وقع احداث 7 ايار، وهو نفسه لم تتحرك له ساكنة طيلة احداث الحرب الاهلية؟  ولم يتحلى بهذا الغضب والحقد في اوج العدوان الاسرائيلي على لبنان. وقد تم طوي الصفحة لاحقا رغم ان ابطالها معروفون وموثقون بالصوت والصورة؟!) على اجهزتم الجوالة وغيرها...يصدمون باعادة العلاقات الحريرية السورية، وفجأة اصبحت سوريا غيرمتهمة بدم الحريري. تغيّر المزاج الشعبي  بعد تلك الاحداث والتراكمات السلبية وبعد عدم تحقيق اي خدمات. وكان الارتداد على تيار المستقبل في الانتخابات البلدية،  حيث ان التركيبة العائلية هي العنصر الابرز  وعامل فقدان الثقة بالوعود السياسية.

اضافة الى الحسابات غير الدقيقة لتيار المستقبل باختيار مرشحيه ولوائحة، حيث انهم اعتادوا التعاطي مع اناس تابعين ابواق لا يخرجون عن الطاعة، ما لم يثمر في الانتخابات البلدية الاخيرة التي كانت حساباتها مختلفة. وثبات المسيحيين في تحديد موقفهم من سوريا بعلاقة حياتية حيوية لها بعد وطني وقومي مما كشف الغطاء عن نوابهم فلم يستطع احد منهم تزكية حتى مختار في قريته كما حصل مع النائب رياض رحال الغير معروف عكاريا ولا على صعيد الوطن شأنه شأن معظم نواب المنطقة ولكن كل هذا لا يعني ان عكار تحررت من قيودها وتبعيتها وخضوعها للسلطة ولآل الحريري خاصة، ومن خلفهم المملكة العربية السعودية، الذين يمثلون مرجعية الطائفة السنية .  خطبة  جمعة واحدة كفيلة باستعار نار لا يمكن اخمادها الا من غذاها. وكما قال لي احد "سوّاق الفانات" التي نقلت العكاريين الى تظاهرة السفارة الدنماركية والى العديد من مهرجانات 14 اذار، وهو الذي عبر عن سخطه وتململه من قيادة تيار المستقبل في قريته عندما لم يسددوا له ما وعدوه به: الله يلعنهم، بس انا بدي دافع عن ديني بأسناني!

بمقدور السلطات المتعاقبة ان تمحو ذاكرة العكاري كيفما و وقت ما تشاء واليوم بمقدورها ان تذكره وتجعل نصب عينه حالة من العداء لأهالي مخيم نهر البارد: فعند تخوم المخيم الشمالي، شيّد نصب يكرم "شهداء" الجيش في حرب البارد. وهو نصب اقل ما يمكن وصفه انه شديد البشاعة والتشوّه. جندي منحوت بمقاييس مغلوطة فنيا كأنه مصاب بالتخلف الخلقي (او هي نظرة واهبيه او صناعه للمجند العكاري)، وجندي آخر يحمل طفلا (ربما دلالة عن تامين الحماية لاطفال اعضاء فتح الاسلام من قبل الجيش) لأن اطفال المخيم شردوا وقتلوا ايام الحرب ومازالوا حتى الساعة يعانون التشرد. جل هدف هذا التمثال ان يزيد حالة الحقد بالتجاه اهل المخيم الذي كان يعتبر قبل الحرب مركز لتأمين احتياجات العكاريين من عوام ومجندين من مواد غذائية ومواد بناء وبالتقسيط المريح، وبسحر ساحر تحول الى بؤرة تأوي بمختلف جنسياته الفلسطينية واللبنانية والسعودية والاردنيه وغيرها، مع اصرار جهابذة السياسة ان ذلك الارهاب كان صناعة سورية. واليوم تحول النواب العكاريين الى طوبوغرافيين يرسمون و يحددون الخط الاحمر في برج ابي حيدر تاركين وراءهم الرمد والجرب يفتكان بالعكاريين وكما يقول المثل: فوق الموت، عصة قبر! بالله عليكم فالكثير من اهالي القضاء اضحوا كالزومبيز في افلام الدرجة الثانية الهوليودية بفراق بسيط هو انهم مظلومون وليسوا الاشرار.

وكما في اغنية فرقة الطريق "أهون ألف مرة": (اهون الف مرة ان تدخلوا الفيل في ثقب ابرة\ وان تصيدوا السمكة المشوية في المجرّة\ اهون الف مرة ان تطفئوا الشمس ان تحبسوا الرياح\ ان تشربوا البحر او تنطقوا التمساح...) فكل هذه الامور اهون من حل مشاكل الحرمان والتبعية في عكار فحتى تسقط كل اسنان العكاريين دفاعا عن دينهم نحتاج الى معجزة "دينية" بكل ما تحمل اولا تحمل الكلمة من معنى.

No comments:

Post a Comment