"أزمة السينما العربية"
مصطلح يتردد على لسان كل مثقف ومعني، ومرد ذلك في نظر البعض الى ضآلة الانتاج
والدعم الرسمي لهذا القطاع. ولكن مكمن الخلل الاساسي، إضافة الى العوامل المذكورة
هو غالباً السيناريو، ذلك النص الذي لا يتعدى في معظم الاحيان المائة والعشرون
صفحة.
النص هو السبب الاساسي
الذي يمنعنا من اشراك عدد كبير من افلامنا العربية في مسابقات المهرجانات او
التظاهرات السينمائية البارزة. البارزة، أي المهرجانات الدولية التي تقام في بلدانٍ
السينما فيها صناعة لها تاريخ ومدارس فنية. اكيد مع تنوّع انتاجاتها بين التجاري
والتجريبي والمستقل، هنا درجة الابداع تتفاوت. من هذه المهرجانات: "كان"
الفرنسي، "ساندانس" الامريكي، "برلين" الالماني و غيرها التي
لا يزيد تعدادها عن اصابع اليد الواحدة.
نعم، أن الكثير من
افلامنا دخلت مهرجان هنا او آخر هناك. طبيعي، لأن كل قرية اليوم ممكن ان تنظم
مهرجان تُعرض فيه الأفلام وتُقدم فيه الجوائز. لكن يبقى حلم كل المنتجين على ضمّ
افلامهم في مسابقات تلك المهرجانات البارزة. لأنها ببساطة تطلقهم عالميا و تعرفهم
على اسواق دولية حيث ينشرون فيها افكارهم وابداعتهم.
من الغير مخفي الآن
اننا كعرب تطورنا في التطبيق التقني في صناعة الفيلم: من تصوير، لمنتاج، للمؤثرات
البصرية ولغيره من التقنيات. ولكن حتى الان لا يوجد لدينا النظرية او الفورميلا
السحرية لكتابة النص العظيم. نعم النص العظيم! لأنه ان لم يكن كذلك لن يجد طريقا
لا للانتج ولا لتلك المهرجانات.
عملياً، بعد
مشاهدة مئات الافلام المحظية بدخول المسابقات في المهرجانات البارزة، نجد ان لديها
عوامل مشتركة من حيث النص او السيناريو وهي تأتي كالتالي: يقسم النص من حيث القصة الى
ثلاثة اقسام: أ- حبكة رئيسية، ب- حبكة ثانوية: التي تحتوي على خلل قاتل في الشخصية
الرئيسية في الفيلم. تجعلنا نسأل عن اشكالية ما في الشخصية الرئيسية وما هي سبل
الحل؟ هذا القسم هو موضوع الفيلم. ج- حبكة ثانوية إضافية: وهي تعكس الصراع الداخلي
للشخصية الرئيسية ومدى قدرته او قدرتها على التفوق واحباط الخلل في الحبكة
الثانوية "ب".
ان نص او سيناريو
الفيلم الاعتيادي يتكون من 100 الى 120 صفحة من قياس A4 . الحرفة هنا تكمن في التقسيم السليم لهذه الصفحات،
مثلاً: في الصفحات العشر الاولى عرض المكان والزمان والحادثة الرئيسة التي حرّضت
الكاتب لروايتها. اول نقطة تحوّل نجدها في الصفحة الثلاثين. ثاني نقطة تحول في
الصفحة تسعين، تتبعها الذروة والخاتمة. وذلك ضمن ثلاث فصول، اولها يصف المكان
والزمان والاشكالية والثانيها العقدة وثالثها الحل. مع حفظ هذا النموذج الكلاسيكي
في الاعتبار. يجب علينا تحليل كل حبكة على حدة ومتابعة خطّها الدرامي لتكامل
السيناريو.
إن الكتابة السينمائية هي مهارة. فحتى يبصر أي فيلم
النور يجب على النص ان يكون عظيماً - وليس اقل من عظيم- حتى يجذب المنتجين والمهرجانات
المهمة ليس إختياراً فقط بل ضمن المسابقات. مع التنويه أن السينما العربية في هذا
العقد تنفض الغبار عن جسدها من حيث النص الرائع المتكامل كأفلام كاملة ابو ذكرى
(ملك وكتابة\ واحد-صفر) ويسري نصرالله (جنينة الاسماك\ باب الشمس) و سامح عبد
العزيز (الفرح) واحمد يسري (45 يوم) و محمد خان (في شقة مصر الجديدة) ومحمد كامل (عزبة
آدم) وخالد يوسف (حين ميسرة) التي ذكرتنا بالافلام التقدمية التي قُدمت في فترة
انحطاط السينما العربية (الثمانينيات من القرن الماضي) مثل افلام علي عبد الخالق
(العار\ الكيف) و محمد خان (خرج ولم يعد).
احياناً يقع الفنان او المخرج بالديماغوجية حين يعطي أولوية
حصرية للفكرة والقضية التي يدور حولها الفيلم، بغض النظر عن القالب التي تقدم فيه
هذه الفكرة وهي المؤثرات المحيطة بالنص وهذا ما ظلم معظم الاعمال الفنية الملتزمة،
فجاءت رتيبة وليست على المستوى الجمالي المطلوب، ما حولها الى سينما النخبة حصرياً
وغابت عن المشاهد العادي (الذي يدفع اجرة الكرسي وربما بعض السكر والفوشار في
الصالة) وعن معظم التظاهرات السينمائية البارزة.
No comments:
Post a Comment